Monday, May 12, 2008

في انتظار احتفال مدوي


الجغرافيا مادة عظيمة. الجغرافيا في الكتب الدراسية المصرية مادة ذات وقار وجلال، تشبه اللغة اللاتينية، إذ لا تخضع تقريبا لأي تغيير. إسرائيل في كتب الجغرافيا لا توجد. هناك فقط فلسطين بحدود ما قبل 48. ليست هناك أرض محتلة، وخريطة الوطن العربي لا تتغير، لأن كتب الجغرافيا هادئة منذ قرون رغم أنف المعارك الطاحنة التي تدور في كتب التاريخ جارتها على المكتب. شتاء الجغرافيا ثلاثة شهور، وصيفها ثلاثة شهور، لهذا فنحن جغرافيًا في الربيع، والصيف جغرافيًا يأتي الشهر القادم، وال"ستون مليون" من السكان الذين لديهم رأي آخر، يخبطوا دماغهم في الحيط.
جو مصر في كتب الجغرافيا من قديم الأزل "حار جاف صيفا، دفيء ممطر شتاءً"، ولا أعرف بالتحديد لماذا كان دفيئا وليس دافئا وحسب، هل كان حقا بهذه الدرجة من الدفء؟ أتذكر أنه كان باردا بعض الشيء، أتذكر أنه كان باردا لعدد أكبر من الأيام بالمقارنة بشتاء اليوم. وهل كان ممطرا؟ هو كان يمطر على فترات متباعدة، ولكنه لم يكن ممطرا، مجموع الأيام الممطرة في الشتاء لم يكن يتجاوز الأسبوع إلى العشرة أيام. والشتاء هو فصل كما تعلمون، أي أنه في حدود اثني عشر أسبوعا، والأسبوع إلى العشرة أيام ليست بالمدة الطويلة، على الأقل بالمقارنة بالبلاد الممطرة. لهذا لم أصدق كتب الجغرافيا بخصوص الشتاء، كما لم أصدقها بخصوص أشياء عديدة، ولكني صدقتها بخصوص الصيف.



كان الصيف حارا وكان جافا، الرطوبة دخلت على صيف مصر قريبا، بالتأكيد بعد تحولها لجمهورية، وبعد ثورة 52، وبعد وضع قصور الباشاوات في أملاك الدولة، وبعد تحويل قصر الباشا "الحوياتي"، الواقع في عابدين أمام مدرسة الليسيه الفرنسية، إلى مدرسة ثانوية للبنات بنفس الاسم، ولا يسألني أحد من هو "الحوياتي" من فضلكم، لأن أحدا لم يكن يعرفه على مدى ثلاث سنوات من الأسئلة الدائمة لخريجة المدرسة التي تحدثكم، ولكن أفضل الإجابات كانت أنه أحد الباشاوات الذين صادرت الثورة قصورهم وحولتها لمنشآت حكومية. على كل، بالتأكيد أن الرطوبة دخلت على صيف مصر بعد وضع مناهج الجغرافيا للثانوية العامة المصرية، ولهذا فأنا أصدقهم بخصوص الصيف. وجو الصيف كان حارا بالمفهوم التقليدي للحر، المفهوم المحتمل، المفهوم "اللطيف" أحيانا كثيرة، على الأقل كان الصيف يبدأ -كما كانوا يقولون- الشهر القادم، وليس منذ ثلاثة أشهر كما حدث هذه السنة، ومنذ بضع سنوات كذلك.
أمر خانق بالنسبة لكثيرين أن يستمر الصيف حوالي ستة أشهر، ويختفي الربيع، ويختزل الشتاء في شهر أو شهر ونصف، ويأخذ الخريف مساحته من باقي السنة. أمر رائع بالنسبة لي أن يستمر الصيف ستة أشهر، أمر عظيم، لا يضاهيه سوى أمنيتي وأنا طفلة بأن أعيش في أحد القطبين لأستمتع بشمس مستمرة ستة أشهر، ثم أسافر للقطب الآخر في النصف الثاني من العام!. أن يصبح الصيف ستة أشهر هو حلم يرى الحقيقة، وبدون أن أركب طائرة واحدة. أية روعة!. على العموم، وفي خضم تغزلي في الصيف، لا بد أن أعترف من باب المصداقية، أني كنت أحب أكثر جو الصيف في كتب الجغرافيا، جو الصيف التقليدي الجاف، قبل أن تدخل عليه الرطوبة وبعض درجات الحرارة غير الآدمية. وأنا في ذلك أشبه محبي الشتاء التقليديين، ولنفس السبب التقليدي أيضا: لأنه أكثر احتمالا.
ولكني –والمصداقية تدفعني لقول ذلك أيضا- لا أخفي استمتاعي هذه السنة تحديدا ببعض الأيام التي مرت، وتم وصفها بغير المحتملة، حين كان المرء يتنفس صهدا ويشع صهدا ويسبح في العرق. كان ذلك بالتأكيد أقل احتمالا بكثير، لكن متعة خفية كانت تراودني، وهي متعلقة بالتحديد بالاحتمال الأقل، والألم الأكبر. فنانو رسم الوشوم يتم غالبا التعامل معهم بسخرية، وفوقية، والاتهامات بالجنون. أنا شخصيا أتعامل معهم ببعض الدونية، هم بالنسبة لي أعظم من أن يفهمهم المتهكمون أصحاب التعليقات الجاهزة. في كل مرة يواجَه أحدهم بالتعليق الأزلي: "ولكن ذلك مؤلما جدا"، يرد: "نعم، لهذا هو ممتع جدا". خلط المتعة بالألم فكرة ليست جديدة على الإطلاق، ولكنها تظل جميلة. أقصى الألم وأقصى المتعة متقاربان. كلاهما يخرج عن الزمن لحظة، وعن المكان، كلاهما يحقق أمرا نادرا لا يحدث يوميا، وكلاهما يأتي من الآخر ويؤدي إليه، ويعزل جانبا أي شيء آخر. لا يفكر راسم الوشم في المخاطرة بقتل خلايا جسده، كما لا أفكر أنا في المخاطرة بالمشي تحت شمس غير آدمية، ولا يفكر المغرم بالشتاء في الالتهاب الرئوي وهو يتمشى في المطر. يفكر كل في المتعة وحسب، المتعة بالألم، المتعة القادمة من الألم والمؤدية بالضرورة إليه، إذ يشبهان الدوائر المتداخلة، حتى أننا لو أدرناها بسرعة في اللحظة المعنية، لا نرى الحدود الفاصلة بينهما، لا يرى الشخص المستمتع الحدود الفاصلة، بينما يقف المتهكمون منا خارج الدائرة، يسخرون من جنونه.
الصيف يعني ملابس أخف، ومياها أكثر، ونوما أقل، وجسدا أنشط، وعقلا أكثر تفتحا، ونهارا أطول، وشمسا أكثر جلالا، باختصار يعني فصلي المفضل.

الصيف يبدأ جغرافيًا الشهر القادم، وذلك يستدعي احتفالا، أتأمل قليلا، وأفكر بأن أفضل احتفال ممكن، أن يأتي الصيف في بدايته الجغرافية بيوم مثل هؤلاء العظماء، إذ يتنفس المرء صهدا ويشع صهدا، سيكون ذلك في قمة المتعة، وقمة الاحتفال، وسأسمع قهقهة كتب الجغرافيا في الظلام: "هل تعتقدون أن الفائت صيفا؟ أتسخرون مني؟ ها هو الصيف الحق أيها الجهلة الأوغاد! ههههههع هههههههع."

الجغرافيا مادة عظيمة، الجغرافيا مادتي الأدبية المفضلة بلا منازع، ومجال تخصصي بكل تأكيد لو كنت درست أدبي، والحمد لله، لم أدرس أدبي.

7 comments:

Soha Bayoumi said...

Niiiice! It made me smile :)
I liked the stream-of-consciousness aspect of it!
I love summer! It's my favorite season too, hands down! Though lately in Egypt, I started suffering from estivation like snails!!!

مصطفى محمد said...

سلامو عليكو

لا حقيقي مش قادر ألقط انتي بتفضلي الصيف عن الشتا ازاي .. ده انت بنفسك قلتي تنفس صهد و سباحة في عرق .. يمكن عشان كده دخلت فجأة في موضوع الوشم .. و علاقة الالم بالمتعة .. لكن على كل .. أراهن ان اغلبية "الستين مليون" بيحبوا الشتا
نعم للشتا

Reham R. said...

Sousou:
keep on loving our beautiful season!. They look at us as strangers cause we are minority!, and the world changes by a strong minority!! Ha33333

مصطفى:
"الصيف يعني ملابس أخف، ومياها أكثر، ونوما أقل، وجسدا أنشط، وعقلا أكثر تفتحا، ونهارا أطول، وشمسا أكثر جلالا، باختصار يعني فصلي المفضل."
دا هينت عن الحاجات اللي بحب الصيف علشانها، لكن طبعا بحبه بجماله ووحاشته، يا راجل هو في حد في الدنيا بيحب حد غير بعيوبه كلها؟؟
منور دايما :)

هبة ربيع said...

اتفق معك جدا يا ريهام أن " الصيف يعني ملابس أخف، ومياها أكثر، ونوما أقل، وجسدا أنشط، وعقلا أكثر تفتحا، ونهارا أطول، وشمسا أكثر جلالا،" ورغم ذلك أحب الشتاء دون القدرة لى منحة أي ميزة سوى حبي له ويكفيه هذا سبباً
:)
هبة

Reham R. said...

أهلا أستاذة هبة
المدونة نورت :)
طبعا الشتا فيه ميزات كتير جدا، معظم محبي الشتا بيقولوا انه ساحر وخصوصي وجوه غير مزعج وحاجات كتيرة أوي، انما انتي جبتي الإن، في الآخر لا الحاجات دي، ولا مقابلها في الصيف هو اللي بيخليكي تحبي الشتا أو أنا أحب الصيف، لأنه في النهاية عمر الحب ما كان له لستة أسباب :)

متقطعيش الزيارة

مصطفى محمد said...

سلامو عليكو

انا تاني .. معلش

اصل في سؤال ملح .. هو ايه علاقة العنوان بالمكتوب
أي .. ما هو الحفل المدوي بالظبط .. أو هو فين .. أم ان ده عيب عند المتلقي .. اللي هو انا؟

Reham R. said...

لا يا مصطفى ملكش حق والله
انت بتمتحن؟ شكلك بتشرب قهوة كتير ومبتنامش
"الصيف يبدأ جغرافيًا الشهر القادم، وذلك يستدعي احتفالا، أتأمل قليلا، وأفكر بأن أفضل احتفال ممكن، أن يأتي الصيف في بدايته الجغرافية بيوم مثل هؤلاء العظماء، إذ يتنفس المرء صهدا ويشع صهدا، سيكون ذلك في قمة المتعة، وقمة الاحتفال، وسأسمع قهقهة كتب الجغرافيا في الظلام: "هل تعتقدون أن الفائت صيفا؟ أتسخرون مني؟ ها هو الصيف الحق أيها الجهلة الأوغاد! ههههههع"
دي الفقرة قبل الأخيرة في التدوينة يا عم، أي أن التدوينة كلها كتبت لأجل عيون هذا الاحتفال المدوي الذي أخطط له وأنتظره بفارغ الصبر