كمادات باردة
أغمض عيني. قطعة القماش المبللة بالماء البارد والنصف معصورة تلسعني، وتغطي جبهتي المحمومة الصغيرة. كف أمي الحنون يرقد فوقها "بسم الله الشافي.. بسم الله الشافي". تضغط أمي على القماشة بقصد أحيانا و بدون قصد، فتنزل قطرة ماء وحيدة من الطرف الأيمن على جنب جبهتي. ترفع أمي المنديل، وأفتح عيني، لأراقب بذهول عمل أصابعها في طبق الماء الصغير، ثم أغمضهما من جديد لاستقبال اللسعة الجديدة.
كنت أحتمل لسعات أمي الباردة وأنا في الخامسة، لأجل شفائي.
لأجل ماذا اليوم أحتمل لسعات باردة مكررة ،كلما اعتدت حرارة المنديل؟
ثلاث مرات
أغمض عيني. أشد البطانية حتى رقبتي. أقرأ كما علمتني أمي: الفاتحة ثلاث مرات، قل هو الله أحد ثلاث مرات، قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثلاث مرات، الفجر مرة واحدة. ماما قالت أن القرآن ينمنا على هدى ويصحنا على هدى. ماما قالت –عندما سألتها لماذا لا أنام بسرعة- : "فكري في النوم، هتنامي". ماما تعلم بالتأكيد، ماما كبيرة، وأنا عندي خمسة، الخمسة هم أصابع اليد الواحدة، سمعت أن ماما عندها ما يفوق أصابع اليدين بكثير!. لكني لا أفهم كيف يعني أفكر في النوم؟. أنا أكتب الواجب، وأقرأ القرآن، وأسمع كلام الميس، وأسمع كلام ماما، لكن كيف أفكر في النوم؟ ماذا تعني بذلك؟. لا أسألها بالطبع. أنا أنتهي من قراءة سورة الفجر، فأبدأ في الترديد مدفوعة بكل أمل ورغبة في النوم سريعا: النوم.. النوم.. النوم.. النوم.. النوم..
ما الذي يدفعني اليوم، لأردد نفس الخطوات بقدميّ كل صباح؟
اعتذار
أمي تقذف فردة الشبشب وهي جالسة على كنبة الصالة، مثل رامي محترف، فتصيبني وأنا مختبئة بين كرسيي حجرة الصالون!. أصرخ أنا، وتنهض أمي. أموت في جلدي. تقترب بخطوات واثقة كالقاتل الذي رأيته في فيلم أمس. أرتعش أنا. تنحني أمي وتلتقط الفردة المنكفئة على وجهها بيدها اليمنى، وتلتقط ياقتي بيدها اليسرى، وأشرب أنا علقة سخنة، فأنا: "كبيرة وحلوة كدة ولسا بتعمليها يا كلبة؟؟". أبكي من فرط الألم. أنا لم أقصد أن أعملها. أنا صحوت الصبح وجدتها معمولة. "معملتش حاجة" أنا متأكدة من ذلك!. "وكمان بتكذبي؟ متعرفيش اللي بيكذب بيروح فين؟؟" "بيروح الناااااااااااااار.. اااااهههههاااااهههه"، وأستمر في البكاء. وأنا أضمد جراحي، يأتي أخي الكبير ليتحايل عليّ: "روحي اعتذري لماما!". "بس أنا معلمتش حاجة!" "دي ماما، يعني تعتذريلها وبعدين نتناقش". كنت مضطرة للاعتذار تحت ضغط أخي وعلامات الشبشب في جسدي التي تشبه علامات سيارات النقل في الطرق. كنت مضطرة كطفلة مضروبة مثالية في الخامسة.
ما الذي يضطرني اليوم -بمعزل عن ماما- لأن "أعتذر وبعدين نتناقش"؟
الطوبة
طوبة في السور الجنوبي لسطح البيت في البلد، نحتّ عليها بزلطة الحرف الأول من اسمي بالإنجليزية. كلما ذهبنا إلى البلد كنت أغير هدومي ثم أصعد للسطح لأقول للطوبة: "ازيك؟" ثم أشرع في الكلام. كنت أحدث الطوبة عن كل شيء وأي شيء، عن أحوال المدرسة والكورال والحفلة القريبة، وميس نسرين، وامتحان الحساب، عن ماما وبابا وإخوتي، عن تيتا وجدو وعن العجلة. في النهاية كنت أحسب المرة القادمة التي سنأتي فيها للبلد على أصابعي، وأقول للطوبة: "المرة الجاية هقولك عملت إيه في الامتحان وفي الحفلة. ادعيلي بأة أخلص من غلاسة شيماء!". ثم أقبلها وأنزل.
لماذا بُني الدور الثاني، واتمحرت الطوبة واتبيضت، واختفت داخل الحيطة؟
لمن أحكي اليوم عن كل شيء، وأي شيء؟
_______________________

12 comments:
كلمات جميلة
ومدونة اكثر من رائعة
تحياتى
احمد
ahmad:
شكرا جزيلا
تحياتي
سلامو عليكو
أنا عيني احولت من الأسود المدلوق ورا و الأبيض المنور الضارب في بؤبؤة عيني -ان كان للبؤبؤة معني أصلا - و الحقيقة و انا بكتب الكومنت و الأبيض ورا عينيا بدأت تشوف خطوط وهمية و حركات كده غريبة .. المهم
لو كنتي قاعدة جنبي في القهوة و نتشت منك الورقة اللي انت كاتبة فيها الكلام ده .. فأنا كواحد بعشق الأدب .. لن أفعل الا ان انهض من الكرسي و أصفق بيداي اعجابا بكلماتك .. تدوينة في منتهي الجمال
clap clap clap
:)
مصطفى:
العفو يا فندم العفو. احنا يهمنا نسعد قراءنا برضه. ههههههههههههه
شكرا جزيلا
أما عن المدلوق والضارب، فقريبا نلبي طلبات الجمهور. انتظروا المفاجأة!
كل الى اقدر أقوله ان مدونتك كانت أول مدونة اطلع عليها وبعدها شرعت فى إنشاء مدونتى
شكراً لكى
طارق:
متشكرة أوي
التدوين فكرة لطيفة على العموم
أي خدمة! ;)
Hello. This post is likeable, and your blog is very interesting, congratulations :-). I will add in my blogroll =). If possible gives a last there on my blog, it is about the Celulite, I hope you enjoy. The address is http://eliminando-a-celulite.blogspot.com. A hug.
Celulit:
Thank you!
I'd love to. My pleasure :)
ربما يكون مروري الأول عندكِ هنا ريهام ...
لكني تعودت عندما أٌرأ شيئًا يعجبني أن أقول : الله
.
...
. . .
بجد قصـــة متقنـة وجميـلة لحد بعيد
مع مصطفى في التصفيق والإشـادة
حساسية الكلمات والعبارات المتقنة عند نهاية كل مقطع ... صنع الكثييير
أتمنى أن أراكِ .. أيضًا ... قريبًا
إبراهيم:
متشكرة أوي
:)
Neat pieces of art :)
Lovely!
Bgad??
At least 1 thing neat in my life!! hehee
Thanx :)
Post a Comment