يافؤادي لا تسل أين الهوى........... كان صرحا من خيال فهوى
اسقني واشرب على أطلاله ..........وارو عنّي طالما الدمع روى
كيف ذاك الحب أمسى خبرا.......... وحديثا من أحاديث الجوى
واحدة من الفضائل القليلة التي عادت علىّ من والديّ، هي أغاني أم كلثوم، وصوتها المجلجل قاطع الصمت الذي لم يفارق أبدا واحدة من سكك السفر الطويلة التي نقطعها منذ العام 91.. يعني منذ كنت في الرابعة، وها أنا حتى العشرين، مازلت أسمع "الأطلال" مثل كل مرة، أسند رأسي على ظهر الكرسي وأغمض عينيّ، أدندن بالكلمات التي تشربها دمي، وأذوب مع الأطلال.
تغير الكثير، وعشقهما لأم كلثوم لم يتغير.. تشبعا كأي موطنين عاديين بموجة الأسلمة الإخوانجية التي أنعم بها علينا السادات.. وربط بينها وبين أحدث صيحات الموضة ،"الأستاذ" عمرو خالد ورفاقه.. وجاء الأمر كالمتوقع على الهوى الذكوري لأبي، فأصبحت زيارات الجوامع والدروس الدينية وقنوات "العمى" الفضائية، طقوسا يومية، وفرضت أغطية الرأس على نساء أهل البيت!، منذ أصبحت تقاس أجسادهن بالسنتيمتر!.. ولهذا أجد نفسي أتعجب، لأن ينسل صوت أم كلثوم من تحت سطوة الممنوع والحرام وما ليس بذكر الله، لأن يعلو في كل سفرية، كالمسلة، أو كشرارة رعد، بين الماضي وبين الحقيقة الراسخة التي يمس في قلبيهما، والتي لم يستطيع الزمن المساس بها، وأتعجب حين ينظران لبعضهما ويبتسمان -كل مرة-، عندما تشدو الست:
هل رأى الحب سكارى مثلنا......... كم بنينا من خيال حولنا
ومشينا في طريق مقمر.............. تثب الفرحة فيه قبلنا
وضحكنا ضحك طفلين معا......... وعدونا فسبقنا ظلنا
مساء أول أمس.. قبيل أن نشد الرحال، -وكطقس أزلي أيضا- فتحت درج الشرائط، ونظرت قليلا، ثم اخترت "هذه ليلتي" و"أقولك ايه".. مزاجي في الشهور الأخيرة لا يحتمل شيئا ثقيلا.. ولكني للأسف نسيت الشريطين فوق المنضدة تحت وطأة الاستعجال -الأزلية أيضا-، ولم أكتشف إلا في الطريق.. اكتئبت، ولكني توقعت أن يكون هناك شريطا اخر لأم كلثوم في السيارة، وعلى غير مزاجي "أو هكذا تخيلت" كانت الأطلال.. الأطلال ثقيلة، ثقيلة على كل الناس، وثقيلة جدا عليّ.. المذهل في الأطلال، هو هذا الانهيار لأسطورة الحب.. نعم.. أي أغنية أخرى تتناول الانفصال، غالبا ما تتناول علاقة خفيفة، أو اكتشاف مبكر للسرطان! أو ترجع سر الانفصال للكذب، أو الغش أو الخيانة، الأمور التي لا تسقط إلا علاقة فاسدة من البداية.. لكن الأطلال -وهذا أحد مصادر ثقلها علىّ- تسقط أسطورة حب حقيقية، تحت وطأة ظروف قهرية، تستأصل المسرطن والسليم، تقتل الجسد المنهك كله، كصك غفران، في الرقدة الأخيرة..
يكفي اسمها "الأطلال"، وما الطلل إلا بعد تعب وبناء وتعمير؟!..
تسقط الأسطورة حجرا تلو الاخر.. ويبقى التساؤل، عن عذر لاحتمال العبودية
اه من قيدك أدمى معصمي.......... لم أبقيه وما أبقى عليّ
ما احتفاظي بعهود لم تصنها........ وإلام الأسر والدنيا لديّ
ورغم أن الإنهاء بكامل الإرادة، ورغم طعم الحرية الذي لا يقبل بديلا، يظل الأمر صعبا ويصحو وجعا خفيا في القلب، مع كل ذكرى
..
أيها الساهر تغفو........... تذكر العهد وتصحو
وإذا ما التأم جرح.......... جدّ بالتذكار جرح
فتعلّم كيف تنسى........... وتعلّم كيف تمحو
................
ربما تجمعنا أقدارنا.........ذات يوم بعد ما عز اللقاء
فإذا أنكر خل خله........... وتلاقينا لقاء الغرباء
ومضى كل إلى غايته...... لا تقل شئنا فإن الحظّ شاء
........
