Friday, October 26, 2007

الأطلال ...

يافؤادي لا تسل أين الهوى........... كان صرحا من خيال فهوى
اسقني واشرب على أطلاله ..........وارو عنّي طالما الدمع روى
كيف ذاك الحب أمسى خبرا.......... وحديثا من أحاديث الجوى
واحدة من الفضائل القليلة التي عادت علىّ من والديّ، هي أغاني أم كلثوم، وصوتها المجلجل قاطع الصمت الذي لم يفارق أبدا واحدة من سكك السفر الطويلة التي نقطعها منذ العام 91.. يعني منذ كنت في الرابعة، وها أنا حتى العشرين، مازلت أسمع "الأطلال" مثل كل مرة، أسند رأسي على ظهر الكرسي وأغمض عينيّ، أدندن بالكلمات التي تشربها دمي، وأذوب مع الأطلال.
تغير الكثير، وعشقهما لأم كلثوم لم يتغير.. تشبعا كأي موطنين عاديين بموجة الأسلمة الإخوانجية التي أنعم بها علينا السادات.. وربط بينها وبين أحدث صيحات الموضة ،"الأستاذ" عمرو خالد ورفاقه.. وجاء الأمر كالمتوقع على الهوى الذكوري لأبي، فأصبحت زيارات الجوامع والدروس الدينية وقنوات "العمى" الفضائية، طقوسا يومية، وفرضت أغطية الرأس على نساء أهل البيت!، منذ أصبحت تقاس أجسادهن بالسنتيمتر!.. ولهذا أجد نفسي أتعجب، لأن ينسل صوت أم كلثوم من تحت سطوة الممنوع والحرام وما ليس بذكر الله، لأن يعلو في كل سفرية، كالمسلة، أو كشرارة رعد، بين الماضي وبين الحقيقة الراسخة التي يمس في قلبيهما، والتي لم يستطيع الزمن المساس بها، وأتعجب حين ينظران لبعضهما ويبتسمان -كل مرة-، عندما تشدو الست:
هل رأى الحب سكارى مثلنا......... كم بنينا من خيال حولنا
ومشينا في طريق مقمر.............. تثب الفرحة فيه قبلنا
وضحكنا ضحك طفلين معا......... وعدونا فسبقنا ظلنا
مساء أول أمس.. قبيل أن نشد الرحال، -وكطقس أزلي أيضا- فتحت درج الشرائط، ونظرت قليلا، ثم اخترت "هذه ليلتي" و"أقولك ايه".. مزاجي في الشهور الأخيرة لا يحتمل شيئا ثقيلا.. ولكني للأسف نسيت الشريطين فوق المنضدة تحت وطأة الاستعجال -الأزلية أيضا-، ولم أكتشف إلا في الطريق.. اكتئبت، ولكني توقعت أن يكون هناك شريطا اخر لأم كلثوم في السيارة، وعلى غير مزاجي "أو هكذا تخيلت" كانت الأطلال.. الأطلال ثقيلة، ثقيلة على كل الناس، وثقيلة جدا عليّ.. المذهل في الأطلال، هو هذا الانهيار لأسطورة الحب.. نعم.. أي أغنية أخرى تتناول الانفصال، غالبا ما تتناول علاقة خفيفة، أو اكتشاف مبكر للسرطان! أو ترجع سر الانفصال للكذب، أو الغش أو الخيانة، الأمور التي لا تسقط إلا علاقة فاسدة من البداية.. لكن الأطلال -وهذا أحد مصادر ثقلها علىّ- تسقط أسطورة حب حقيقية، تحت وطأة ظروف قهرية، تستأصل المسرطن والسليم، تقتل الجسد المنهك كله، كصك غفران، في الرقدة الأخيرة..
يكفي اسمها "الأطلال"، وما الطلل إلا بعد تعب وبناء وتعمير؟!..
تسقط الأسطورة حجرا تلو الاخر.. ويبقى التساؤل، عن عذر لاحتمال العبودية
اه من قيدك أدمى معصمي.......... لم أبقيه وما أبقى عليّ
ما احتفاظي بعهود لم تصنها........ وإلام الأسر والدنيا لديّ
ورغم أن الإنهاء بكامل الإرادة، ورغم طعم الحرية الذي لا يقبل بديلا، يظل الأمر صعبا ويصحو وجعا خفيا في القلب، مع كل ذكرى
..
أيها الساهر تغفو........... تذكر العهد وتصحو
وإذا ما التأم جرح.......... جدّ بالتذكار جرح
فتعلّم كيف تنسى........... وتعلّم كيف تمحو
................
ربما تجمعنا أقدارنا.........ذات يوم بعد ما عز اللقاء
فإذا أنكر خل خله........... وتلاقينا لقاء الغرباء
ومضى كل إلى غايته...... لا تقل شئنا فإن الحظّ شاء
........

Tuesday, October 2, 2007

أجازة..

أجازة.. من النظر في الساعة خمسين مرة في اليوم، وعدم إيجاد الوقت الكافي لأي شيء!
أجازة.. من الاستحمام السريع على الواقف!
أجازة.. من اليوم الواحد للعطلة الأسبوعية
أجازة.. من العيون المحدقة والتحرشات ربع اليومية
أجازة.. من ندالة الأصدقاء
أجازة.. من هذه المعتوهة التي تغار مني على صاحبها لأني الوحيدة من صديقاته التي لم يعرفها عليها -وخير ما عمل-!
أجازة.. من صديقي العزيز العائد السنة من البكالوريوس إلى دفعتي، وإجازة من هذا الحزن غير المحتمل في عينيه كل يوم!
أجازة.. من الموبايل.....
أجازة.. من الغلق على أشخاص يتصلون في أوقات ليست هي، ومن الاتصال بأشخاص في أوقات ليست هي! و من انتظار أشخاص.. ليست هي!
أجازة.. من الملابس الرسمية، والمواعيد الرسمية، والزملاء الرسميين، والابتسامات الرسمية، وتكرار الاسم الذي لم أختره أكثر من خمس مرات في اليوم، لدواع رسمية!
أجازة.. من الحر!
أجازة.. من رأفت! الذي لا يحلو له إلا أن يدعوني ب"أهلا ياباشا"!!!... رغم معرفته بكرهي لهذه التهمة!
أجازة.. من رمضان الحرامي ،الذي لا بديل له! ومن جمالات وعطيات وامال، وكل عمال وعاملات وممرضات القصر العظيم!
أجازة من أشرف، سبب كرهي للحياة!! وكيلنا العزيز!
ومن خالد أبو الفضل.. رأس الأفعى المختفي
أجازة من هذا المجنون.. الذي مازال يضع عينه في الأرض كلما راني، ومازال يتأملني من بعيد -مقنعا نفسه التي لا تقتنع- بأني لا أراه، بعد ثلاث سنوات!
ومن صاحبته الغبية، التي مازالت تصدق أنه يحبها، رغم أنه هجرها ثلاث مرات من دون أن تعرف السبب -ياالله على الغباء- بعد ثلاث سنوات من رؤيتها لذات الموقف،ولذات العينين..وما زال الغباء مستمرا!
وأجازة من المعتوه الاخر، الذي ينظر إلىّ بعتب، كلما كان بقربي، كأنما يعاقبني على جنون الأول!
ما ذنبي أنا، لأحيا في مستشفى المجانين هذه؟!
أجازة.. من كل المجانين والمعاتيه دفعة واحدة!
أجازة من الطبيب الصعيدي/الأوروبي الذي يقلب المحاضرة حفلة سمر حول مغامراته الطبية والاجتماعية والثقافية، وليس من مانع- العاطفية، بين صدام الحضارات! ومن الطبيب الذي يتخيل أن الوقت كالسلحفاة، وأنه مضى صك شرائه، وكل المواعيد لا تهم، المهم ينهي ما جاء لإنهائه!
أجازة من المرضى العجائز المهمومين بلا سبب واضح، والمرضى الشباب الأمامير المبتسمين دائما- أيضا بلا سبب واضح!
لماذا يتخيل البعض أن استمارة التشخيص هي استمارة تعارف ودي؟؟ وأن خانة الوظيفة تعني التسلسل الوظيفي والكفاح العصامي ومعدل الراتب الشهري، وليس من مانع، سبل مكافحة الغلاء!!.. ولماذا يهم إذا كان مهندسا في شركة بتروجيت، أو صيدلانيا في شركة فايزر؟؟، أو متزوج ويعول ولكن مليونير وعنده سلسلة فلل وشاليهات؟ ويعاني من أزمة عاطفية زواجية؟ حقا... ما علاقة طبيب الأسنان بكل هذه الماسي؟؟ الوظيفة تعني المهنة وفقط. المهنة ونقطة خاتمة!.. أفكر في إضافة هذا التوضيح بين قوسين!!
أجازة... من كل ابتسامة صفراء وكل "تشرفنا"، العنوان؟!
أجازة.. من البيروقراطية البشعة في التعامل اليومي مع كل أبطال مسرح العرائس
أجازة.. من الذاكرة الثقيلة جدا، والدموع الثقيلة جدا، والأحلام الثقيلة جدا، والبقاء على القرارات الأثقل من كل السابق
أجازة.. من دخان المارلبورو وكل الماسي التي يحمل
أجازة.. من الندم على سنتين من عمر القلب
أجازة.. من الكحة التي تدعى حساسية والتي أتت في الجسد الخطأ بكل المعايير
أجازة.. من طلعت حرب ومدبولي وجروبي والندوة وشرقيات وفطاطري التحرير والإسعاف والزمالك وشارع 26يوليو!
أجازة.. من أمين الشرطة أمام هارديز! والاخر أمام الجامعة الأمريكية!
وأجازة خاصة جدا.. من أتيليه القاهرة!!
أجازة.. من الشحاذين في المترو وفي الشارع وفي الأسانسير وعلى الأرصفة وتحت الشاحنات
وأجازة.. من المرضى والقتلى الأحياء، في ذات الأماكن السابقة بحذافيرها!
أجازة.. من الروتين، ومن كسر الروتين، من الملل، ومن الخروج عن الملل
أجازة.. من الحياة..........
أجازة بلا مدى ، أفعل فيها كل شيء بمزاجي.. بمعنى، كل شيء بخلاف المذكور أعلاه .. بمعنى، لا شيء..!
عارية تماما في البحر
أنام فوق الماء
أنظر للشمس التي أحب
تماما وقت الشروق
اه ياكل حياتي!
ما هذا العالم الذي رميتني فيه؟
ولماذا..... تقتلين روحي ببطء.. هكذا؟!