
لوسمحت، المزيد من المشروب"، قالت ماريا من بين دموعها
كانت تبتهل أن لا يأتي النادل فيدرك ما كان يجري، أما النادل الذي كان يرقب الجميع من البعيد من طرف عينه، كان يصلي لأن يسرع كل من الرجل والفتاة بالرحيل ويدفعان الفاتورة، فالمطعم يحتشد بالناس وثمة من ينتظر
في النهاية، بعد ما بدا وكأنه سرمدي، تكلمت:
"هل قلت ألف فرنك مقابل جرعة واحدة؟"
دهشت ماريا من النبرة التي أصبح عليها صوتها
"أجل"، قال الرجل نادما لكونه قدم هذا العرض في الموضع الأول.
"لكنني بحق لا أريد أن...."
"ادفع الفاتورة، ودعنا نمضي ونشرب ذلك الخمر في الفندق الذي تنزل فيه."
من جديد بدت مغتربة عن ذاتها، حتى اللحظة كانت فتاة دمثة، وذات تربية حسنة، لم تكن لتتحدث بهذا الأسلوب إلى غريب. بدت لها الان أن تلك الفتاة ماتت إلى الأبد، قبل دفنها وجودها الاخر، حيث جرعات المشروب تساوي ألف فرنك، أو تعتاد أكثر على صيرورة كونية، حوالي ستة الاف دولار.
......
من يوميات ماريا في اليوم التالي:
"إنني أذكر كل شيء، مع أنني لا أذكر بالضبط اللحظة التي أخذت فيها قراري، وعلى نحو شاذ إلى حد ما، ليس لدي أدنى شعور بالذنب، اعتدت التفكير بالفتيات اللواتي يمضين مع الرجال إلى السرير مقابل المال كأشخاص لا يملكون خيارا اخر، أما الان فأنا أرى أن الأمر ليس كذلك. كان بإمكاني الاختيار بين قول "أجل" أو "لا"، ولم أكن مجبرة على قول أي شيء.
تمشيت في الشوارع وراقبت الناس، وتساءلت إن كانوا يختارون حياتهم؟ أو إن كانوا، مثلي، قد "اختارهم" القدر؟ ربة المنزل التي حلمت أن تصبح عارضة أزياء، أصحاب البنوك اللذين رغبوا في أن يصبحوا موسيقيين، طبيب الأسنان الذي شعر باستحواذ فكرة تألبف كتاب ونذر نفسه للأدب، الفتاة التي أحبت أن تصبح نجمة تلفزيونية، لكنها بدلا من هذا، وجدت نفسها تعمل محاسبة في سوبر ماركت.
لا أشعر بالأسف على نفسي البتة. مازلت لست ضحية، لأنني كنت أستطيع مغادرة ذلك المطعم بكرامة سليمة ومحفظة فارغة. كان بإمكاني تلقين ذلك الرجل درسا في الأخلاق أو أن أحاول دفعه لأن يرى أن من يجلس أمامه أميرة عليه توسلها وليس شراءها. كنت أستطيع الإجابة بمجموعة متنوعة من ردود الأفعال، لكن -مثلي كمثل الاخرين- تركت للقدر أن يختار لي الدرب التي علىّ سلوكها.
لست الوحيدة، رغم أن قدري قد وضعني خارج القانون والمجتمع. على أية حال، جميعنا متساوون في اقتفاء أثر السعادة: لا أحد منا بسعيد -لا صاحب البنك/الموسيقي، ولا طبيب الأسنان/الكاتب، ولا فتاة الحسابات/الممثلة، ولا ربة المنزل/عارضة الأزياء."
هكذا كانت تسير الأمور. وبتلك البساطة واليسر. وما كان مدعاة للقلق في الأمس، منحها اليوم شعورا بحرية فائقة، لأنها لم تكن مضطرة لأن تبرر نفسها لأي كان.

2 comments:
باولو كويلهو واحد من أقوي الناس اللي قريتلهم
ساحر الصحراء واحدة من رواياتي المفضلة
أنا لسه مقرتش 11 دقيقة بس ناوي أقراها
شكرا إنك لفتي نظري ليها
تحياتي
رؤيته عجبتني أوي
جديدة
شكرا على مرورك
تحياتي لك
Post a Comment