Saturday, July 5, 2008

..الواجب والأسرار

قوانين الواجب:

1. اذكر اسم من طلب منك حل هذا الواجب.
2. اذكر القوانين المتعلقة بهذا الواجب.
3. تحدث عن ستة أسرار قد لا يكتشفها من يقابلك للمرة الأولى.
4. حول هذا الواجب إلى ستة مدونين،
واذكر أسماءهم مع روابط مدوناتهم في موضوعك.
5. اترك تعليقا في مدونة من حولت له الواجب، ليعرف به.

الإجابات


1. طلب مني حل هذا الواجب، العزيز/ أحمد عبد اللطيف، وآدي لينك مدونته هلاوس.

2. القوانين فوق بأة، هي شغلانة؟

3. الأسرار:

1- (سرقة من أحمد عبد اللطيف) اللي يقابلني أول مرة ميعرفش اني "شولة"، بكتب بالشمال يعني، وبشتغل بالشمال، لكني باكل باليمين، أهلي علموني كدة. وأنا صغيرة، لحد تالتة ابتدائي تقريبا، كنت بكتب بايديا الاتنين، اليمين والشمال، ودي كانت حاجة مفرحة جدا ليا، لأننا في التعليم المصري زي مانتو عارفين أو مش عارفين، بنكتب كميات غير معقولة من الواجب ومن الإملا في الفصل، وبكدة كان كل زمايلي بيتعبوا ويملوا، وأنا لما أتعب أبدل إيدي، ببساطة يعني، ولا كان يهمني!. اتعودت أكون فخورة بأني شولة، لأني نشأت على فكرة أن كل العباقرة كانوا شول، ومعرفش تحديدا مين العباقرة اللي كانوا شول، لكنها كانت فكرة مفرحة ليا من وأنا طفلة برضه، لما حد كان يستغرب من إني شولة، كنت أقول له: "كل العباقرة كانوا شول"، كنت أقولها بفخر وأمل حقيقي في أن أبقى عبقرية في يوم من الأيام، وأديني كبرت وبأة عندي عشرين سنة والموضوع مش مبشر أوي، إنما مين عارف؟!..

2- في أماكن الدراسة والشغل، بدّي انطباع أولي بالجد والصرامة، بدّي انطباع بأني ذكية ومتفوقة ومن أصحاب التقديرات العالية أو الواسطات الجامدة، وبعض الانطباعات دي مش صحيحة، يمكن أكون ذكية شوية، لكني مش متفوقة خالص، ومعرفش معنى "التقديرات العالية"، واعتراف أول على الشبكة المعلوماتية الكبرى، احتمال مش قليل اني أعيد السنة دي، -السنة التالتة في طب الفم والأسنان للي ميعرفش-، وأنا مش من أصحاب أي واسطة على الإطلاق، وبحقد جدا على كل أصحابها وبكرههم، لكن على كل حال، أنا بحب فعلا الجد والصرامة، وبحب الشغل مستقيم ومحدد على النسق "المحافظ" لو صح التعبير، ومكرهش في الدنيا قد الدلع والمرقعة في أماكن الدراسة والشغل، احتمال ده يناقض كوني مش متفوقة ولا من أصحاب التقديرات، والتناقض ده متعلق بعلاقتي بالوقت، ولهذا حوار آخر..

3- في غير أماكن الدراسة والشغل، بدّي انطباع أولي –خصوصا للي أكبر مني في السن- بإني هادية ومؤدبة ولطيفة وخجولة و"زي النسمة"، وللانطباع ده علاقة كبيرة بتربيتي على كدة بصرامة من وأنا صغيرة. بحاول مؤخرا تغيير الانطباع ده لأنه مبيتسقش معايا أوي، أنا ممكن أكون هادية ومؤدبة أحيانا، لكني مش لطيفة ولا خجولة ولا زي النسمة، لكن الموضوع مش سهل، ف"التعليم في الصغر مثل النقش على الحجر"، وأنا طول عمري كنت الطفلة المطيعة..

4- في خمسة وتسعين في المية من الأحوال، اللي يقابلني أول مرة ميعرفش إن عندي عشرين سنة أبدا، اتعودت على تعليقات من نوعية "انتي في سنة كام يا حبيبتي؟"، و"دانتي أمورة وحلوة خالص"، ومخبيش عليكم التعليقات الأسوأ في القصر العيني التعليمي اللي بدرس فيه، من نوعية "هي دي دكتورة دي؟!"، "لو سمحتي، هو حضرتك دكتورة؟"، "اسأل الدكتورة القصيرة اللي هناك دي"، أو الأسوأ "هتطولي الكرسي؟؟" –متقلقش!!-، "انتي اللي هتخلعيلي؟؟" - :) طب أديك البنج بس؟!- وإلخ.. ودي حكاية مش لطيفة خالص. الحقيقة مرة واحدة بس واحد فرحني في مترو الأنفاق، كنت سادة طريقه عن البوابة وهو نازل، فسألني السؤال الأغرب على الإطلاق: "انتي نازلة الجاية يا مدام؟"، قلت له "لأ، اتفضل"، ووسعت له، كان نفسي أحضنه وأبوسه، كان نفسي أضرب له تعظيم سلام وآخده في تاكسي لحد بيته، أو أعزمه على الغدا مثلا، رغم ان دي كلمة بتضايق معظم الآنسات إلا إنها بسطتني بشكل غير عادي، فرحت فعلا!..

5- كتير من اللي أعرفهم بشكل شخصي، بيقولولي أني بدّي انطباع أولي بالرقي وبإني "هاي كلاس" شوية، وبعد كدة بيكتشفوا اني مش كدة خالص، واني من عيلة متوسطة عادية، أهلهم كانوا ناس فقرا، وممكن أكون "لو كلاس" جداااا مع ناس معينة، إلا إني بحب التميز، وليا أسلوب مختلف شوية، وأي حد في مصر النهاردة ليه أسلوب مختلف شوية بيبان زي الشعرة في العجين، لأن الشعب كله زي العجين بالظبط..

6- مغفلة، رغم اني أبان ذكية ومتميزة ومتفوقة وإلخ، إلا اني فعلا مغفلة، وبتعلم بصعوبة، ودايما باخد الطريق الصعب عشان أتعلم، ودايما أغلط الغلطة أكتر من مرة، ودايما أقع بنفسي في الحفرة عشان أصدق انها حفرة فعلا، وان اللي وقعوا فيها قبلي مكانوش عبط ولا بيتهيألهم!، ده ميبانش للي يقابلني أول مرة، ولا عاشر مرة حتى، ده يبان للناس القريبة مني وليا أنا طبعا بشكل خاص. لكن أنا عندي ميل حقيقيا لأني أكون مغفلة، على قد ما الجملة دي بتضحك، على قد ما هي الحقيقة المرة، لأني فعلا ذكية وفعلا ممكن أتجنب كتير من اللي بقع فيه، لكن العند والإصرار اللي هم جزء مهم مني بيخلوني لازم أمشي الطريق لآخره، وبعدين أقول آه ياريت اللي جرى ما كان!. الأول كنت بكره ده جدا، ومازلت بكرهه شوية، لكني بحاول أتعايش معاه وأشوف الجنب الكويس منه، وهو ان "اللي جرى كان فعلا"، الجزء السيئ حصل، حصلي أنا مش لحد تاني، يعني مفيش شك بعد كدة، واللي فاضل اني أتعلم منه المرة الجاية، علّ وعسى..

4. تحويل الواجب: الحقيقة أنا معرفش ست مدونين أصلا عشان أبعتلهم الواجب، ناهيك عن معرفتي الوطيدة بيهم، على العموم، هحول الواجب إلى:

The Alien
طارق إمام
سهى زكي

كفاية كدة؟ بقول كفاية..

5. حاضر، من عنيا.

Tuesday, July 1, 2008

في "جمال كافر"، العملة تدور على حافتها

دم
دم

دم دم دم.


أخاف الأحمر

الشمس في المغيب

الصلصة في طبقي

روج شفتيكِ

وحمرة خدود الأطفال.


أنا مجرم حرب
، يا حبيبتي،

وأنت مجرمة حرب.

لأننا فشلنا أن نعلم القتلة

الفرق بين القبلة

والقنبلة

بين جناح الطائر

وجناح الطائرة

بين كمنجة على كتف عازف

ومدفع على كتف جندي

نجمة تضيء السماء

ونجمة على صدر جنرال.


لأننا خفنا

أن نضع كفوفنا

فوق فم دبابة

لنصد الطلقات.

...............

القصيدة بعنوان: "أنتِ مجرمة حرب"، من ديوان "جمال كافر" إصدار 2005 للشاعر المتميز/ عماد أبو صالح.

....................

الديوان من أفضل ما قرأت من شعر النثر، ومن أفضل ما قرأت لعماد أبو صالح. الحرب تتخلل سطور الديوان، ليس بشكل درامي أو مأساوي يبكيه الشاعر مثلا، بل بشكل رومانسي، ولكنها رومانسية زاعقة متمردة، مفعمة بالإجرام والتوحش والتطرف في أقصى درجاتها شاعرية، حيث الحرب تعزف لحنَ حب مجنون بين العاشقين، حب متمرد، وليد الحرب هو، ووالدها كذلك. الحرب والحب هنا وجهان لعملة واحدة، الشاعر يدير العملة على حافتها طول الوقت باحتراف كامل، بحيث يصبح من المستحيل تحديد الوجه الذي تنظر له، أو الذي يواجهك في لحظة بعينها.

عنوان الديوان يحمل هذه الدلالة كذلك، فالشاعر كأنما يقول للقارئ احترس!، الجمال هنا ليس هادئا أو ناعما كما تتوقع، إنه جمال كافر بكل المعايير التقليدية، جمال متطرف وابن حرام، جمال ينبع من أكثر المشاهد قبحا وتنفيرا، مثل النبت الشيطاني، والشاعر على امتداد القصائد يؤكد على ذلك بتميز واضح، يُنبت لنا أكثر المشاهد جمالا من أكثر الأراضي قحطا، ويزرع أكثر الصور بشاعة في أكثر اللحظات رومانسية، فيستمر بإدارة العملة على حافتها طول الوقت، ليطيح بكل التقليدي والمنطقي والمتوقع، ويصنع واحدا من أفضل دواوينه ومن أفضل دواوين الشعر النثري التي قرأت.

.................

روابط:
الديوان بالكامل
موقع الشاعر/ عماد أبو صالح

Wednesday, June 18, 2008

المعلومات الجديدة، وآلام قلبي الضعيف

أغنية قديمة لماجدة الرومي تتردد في ذهني: ما كان كان، فليس لي إلا غدي، تبنيه آمالي الكبار، ما كان كان، فيا حياتي تمردي، وتجددي نورا ونار..
كانت هذه هي أغنيتي المفضلة منذ زمن، منذ ما يقرب من ستة أو سبعة أعوام، أي عندما لم يكن للمرء ماض حقيقي يفوت أو يتمرد عليه، أبتسم لهذه الفكرة، كنت أحب حماسها ونورها ونارها، ولم تمثل لي شيئا حقيقيا، تتردد في ذهني اليوم بدون أي حماس، تتردد بألم:
أنا شئت أرحل حسبكم أمس مضى، فإذا بكيتم ذاب حزني وانقضى، وإذا حزنتم سُر في وجهي الرضا، أنا لن أعود..
يا للجبروت! أي صوت عظيم كانت تصدح به ماجدة، أي قلب قوي لن يعود!..

...........

أصحو في يوم عادي، أمارس طقوسي العادية، لا شيء مهم يحدث، لا شيء جديد..
في المساء، لا يصبح اليوم عاديا، في المساء أدخل على الانترنت، على الماسنجر تحديدا، وتجري المحادثة الأغرب على الإطلاق، محادثة من عبق الماضي، أبتسم لهذا التعبير، ساين إن لم يحدث منذ عام تقريبا، أذعر، أوقف كل شيء، وأتفرغ تماما، تجري المحادثة التي تغير تاريخي، تغير حقائق تاريخية كنت قد آمنت بها، وأقنعت عقلي بها، وسيرت قلبي عليها، حقائق قاسية كانت، حد أن يقسو قلبي ويغضب وربما يغني بحماس مع ماجدة الرومي "أنا لن أعود"، وهكذا كانت مفيدة أيضا، قسوة القلب وغضبه أفيد أحيانا كثيرة من حزنه وقلة حيلته، يتم الإطاحة بهذه الحقائق ببساطة من الطابق الخمسين، يتم كشف النقاب عن الحقائق الأقل قسوة والأقل فائدة كذلك، حقائق لم يصبح بالإمكان معها أن يقسو قلبي أو يغضب أو يغني بحماس، لم يصبح بالإمكان معها سوى أن يبكي ويحزن ويكره نفسه، يكره قلبي نفسه لتصديقه الحقائق الأكثر قسوة كل هذا الوقت، لمجرد أنها الأكثر فائدة له، ويكره عقلي نفسه لتصديقه الرؤية القاصرة بغباء يحسد عليه، لمجرد أن يرتاح من عبء التفكير، ينكشف النقاب، وتظهر الصورة كاملة، للمرة الأولى في التاريخ، يتغير التاريخ الذي بنيت عليه ومحرت وبيضت، يسقط الأساس، طوبة وراء طوبة، ويسقط الحائط هكذا، بدون أي مقاومة، وبدون عنف أيضا، يسقط كسيمفونية موسيقية، كفنان ينتحر، أبتسم لهذا التشبيه أيضا "يعني أنا كنت شفت فنانين بينتحروا؟!"، أجلس بعد ذلك، بجوار الحائط المهدوم، بجوار الركام، فوق الأطلال، أبكي كما لم أفعل قبلا، أعتذر كثيرا، ولا أعرف أين أوجه اعتذاري، للطرف الآخر، للتاريخ، للحائط، لقلبي الضعيف، أم لكل هؤلاء؟.

بالمعلومات الجديدة يختلف الأمر، تختلف النظرة للتاريخ، تختلف بشكل مؤسف، بشكل في غاية الأسف، الحقائق تنكشف والأدلة تساق، دليلا وراء دليل، "ألم يحدث كذا؟"، "بلى"، "وكذا؟"، "بلى!"، "ألم أقل لكِ كذا؟"، "بلى"، وكذا وكذا.. كل الأشياء التي أعرفها تحدث، بنفس الشكل والترتيب، لا يسعني الإنكار، ولكن لأسباب مختلفة جدا، لأسباب متضادة، لأسباب ما كنت لأفهمها أبدا وقتها، عميت عنها سهوا أو قصدا، عميت عنها تماما، وإنه إحساس سيء أن تكون شخصا أعمى، ثم تبصر، إحساس سيء أن تعرف أن جهاز الراديو الذي كانوا يضعونه بجوارك في عماك، له شكل متوازي المستطيلات، وله أزرار لونها أسود، وباب يفتح ويقفل، وماركته سوني، لم يعد هو إذن مصدر الصوت المعتاد، أصبح غريبا، أصبح دخيلا، وأن يصبح تاريخك الحميم الذي صدقته وقتا طويلا في لحظة دخيلا وغريبا، هو إحساس في منتهى السوء. تجلس ساهما، لا تعرف ماذا تفعل، هل تتمنى لو لم تبصر أبدا؟ هكذا كنت تستمتع بالراديو القديم، بالقلب القوي القاسي، وبالتفسيرات الأكثر فائدة، أم تتمنى لو أبصرت منذ ولادتك؟ هكذا لا يصبح تاريخك الأكثر شخصية غريبا في لحظة. لا تعرف ماذا عليك أن تتمنى، ولكنها على أي حال أمنيات خيالية، متأخرة للغاية،
too late كما يقولون، فأنت الآن قد أبصرت، والآن فقط، رأيت الراديو بالفعل، ولم يعد بالإمكان تغيير هذه الحقيقة.

...........

هل يعود الأمر إذن لما كان سيكون عليه لو أني بنيت التاريخ من البداية على هذه الحقائق الجديدة؟ أتمنى، ولكنه لا يفعل. هل يعود الأمر إذن بعيدا عن القلب القاسي الغاضب إلى "سمنة على عسل"؟ أتمنى، ولكن هذا لا يحدث، شيء ما يتغير، شيء ما يخرب، شيء غير قابل للتصليح، غضاضة معينة في القلوب تمنع هذه المحادثة الإلكترونية الآن من التدفق بدون شوائب، من السير باتجاه كانت لتسير عليه لو أني كنت رأيت التاريخ على حقيقته منذ البداية، لو أن الأمور سارت كما كان مقدرا لها في السيناريو الأكثر مثالية. أنا لم أبصر، لا أحد ينكر ذلك، ولكني لم أكن عمياء لأن الله مثلا أراد لي ذلك، بل كنت عمياء لأني قررت لنفسي ذلك، كنتيجة لمجموع عوامل لا حصر لها ولا مجال، قررت لنفسي ولو غير إراديا أن أكون عمياء، أن أكون غبية وجاهلة، أن أكون غبية أولا وجاهلة ثانيا، فلم أكن لأكون جاهلة لو لم أكن غبية، ولكني لم أكن غبية بالتحديد، أنا ذكية، أعرف ذلك عن يقين، كنت إذن أستغبى لمراعاة الدقة، كانت هذه الحقائق التي تفاجئني الآن ترقص أمام عينيّ طول الوقت، وتقول لي "أنا أهو"، وكنت لا أراها مع ذلك، كنت أعمل نفسي لا أراها، كأني ألعب استغماية مع طفلة لا أريد إحراجها، والنتيجة أني أنا الآن التي في منتهى الإحراج.

...........

يحدث لي هذا الأمر مؤخرا كثيرا، أن أصحو في يوم عادي، ليس به شيء مهم، ليس به شيء جديد، وأتلقى بشكل أو بآخر معلومات جديدة للغاية عن ماض ما، تاريخا جديدا، تاريخا غير الذي عرفته، يحدث لي أحيانا بالشكل السيئ وأحيانا بالشكل الجيد، لكنه يحدث على كل الأحوال. أن يتغير جزء من تاريخك ليس بالأمر اللطيف، هو أمر صادم، صادم لدرجة أن تجلس صامتا لساعات ربما، لا تعرف رد الفعل المناسب، أتضحك أم تبكي، لا تعرف رد الفعل المناسب من أثر الصدمة وليس لجهلك به، لا يتغير التاريخ بالشكل الفعلي، هذا لا يحدث أبدا، وربما هذه الحقيقة هي الأكثر قسوة، ما يتغير هو رؤيتك له، تفسيرك له، تفاعلك معه الآن، عن ذي قبل، يزيد هذا من قسوة الحقيقة السابقة، فالمشهد لم يتغير، لكنك تعمدت النظر له من زاوية واحدة برؤية قاصرة، رغم أن الحقيقة -كما ذكرنا- كانت ترقص أمام عينيك.
الآن أجلس وأعيد تشكيل التاريخ بالمعلومات الجديدة، "آهاااا" كبيرة تدوي في عقلي، وعضة ندم بأسناني الأمامية على شفتي السفلية، "لو كان حدث هذا ما كان ليحدث ذاك"، "لو كنت فهمت كذا ما كنت فعلت كذا"، و"لو لم أفعل كذا ما كنت في هذا الموقف الآن".

أشرت إلى سقوط التاريخ مثل الحائط المتبيض، مثل البناء، ولكن هذا ليس دقيقا كفاية، لو كان الحائط يسقط لأمكن إعادة بنائه إذن، وبإخفاء آثار الهدم، لأمكن صنع حائطا جديدا لا يعرف أحد شيئا عن ماضيه، ولكن هذا لا يحدث، التشبيه الأدق هو التالي: أم تصطحب طفلها الشقي في الشارع أو عند ناس، لا يكف عن شد الأشياء وتمزيق أكياس الشيبسي والبكاء والصراخ، الأم تنظر بخجل للمحيطين بها، وتنظف وراء طفلها، تؤنبه وتنظف، تتمنى لو لم يفعل، لكنه فعل. الآن أنا أفكر في التنظيف، وهذا أمر صعب للغاية، الآن أنا أؤنب الطفل "أنا بالحقائق القديمة" بشدة، وأتمنى لو لم يفعل، لكنه فعل، أحاول استجماع قواي وأعصابي لأن لا أنهال عليه بالضرب، ولكني لست أما مثالية فأفشل، وأنهال عليه بالفعل، الطفل يصرخ ويبكي، وأنا لا أتوقف، الطفل يتوسل، وأنا لا أسمع، أؤنبه وأعنفه وأضربه بكل قوة، أكاد أعدمه العافية، أعدمه العافية بالفعل، ليت هذا يصلح شيئا، لكن ذلك لا يحدث، لا ينصلح شيء، لا بد من جمع بقايا الشيبسي والاعتذار للناس، ليس من مفر من الابتسام خجلا، يزوي الطفل في ركن بعيد ويرتجف رعبا.
لا يمكن العودة إذن للبناء النظيف الكامل، أو لل"سمنة على العسل"، ولا يمكن كذلك المضي قدما كأن يوما عاديا قد مر، لم يحدث به شيء مهم، أو شيء جديد.

...........

يضمر قلبي القاسي الغاضب العظيم الذي لا يهمه شيء، يبكي أسفا، ولا تضيف إليه كلمات ماجدة الرومي سوى الحسرة والألم، أي آمال كبار يا ماجدة؟ أي نور وأي نار؟ أتمنى أن أقول بثقة مثلها "أنا لن أعود"، أتمنى ولكن هذا لا يحدث، لا يحدث أن "أعود" بدون الغضاضة في القلوب، ولا يحدث أن "لا أعود" وأمضي هكذا، بدون حمل خطاياي على كتفي. لا أعود ولا أمضي، أعلق إذن أنا، بأسف جم، بين تاريخ غريب، ومستقبل معتم.

...........

Tuesday, June 10, 2008

بانو بانو" - والرقص على الجثث"

أكثر ما يعجبني في هذه الملحمة الراقصة هو المزيج الرائع بين القوة التي ترقص بها شفيقة –سعاد حسني- على أشلاء جثة الطرابيشي بك –أحمد مظهر- بعدما تعريه وتذبحه، وبين الألم الذي يأكلها من الداخل والقهر الذي تخضع له من كل ناحية، بين الخفة والضحكة الساخرة التي تدور بها حول الطرابيشي صاحب الجاه والجبروت، بينما يضع عينيه في الأرض خوفا من أن يلتقي بعينيها، وبين العذاب الجم الذي يملأها لكل هذا القبح الذي ترقص في أكنافه.

الأغنية بمعزل عن الفيلم، تشبه بصمة للحياة التي نعيشها اليوم، للبطولة التي نحتاجها ل"نرقص" كل يوم على الجثث المشوهة في كل مكان، ل"نتلوى" كالثعابين في محاولات مستمرة لحماية أنفسنا من التلطخ بالقذارة، ل"نضحك" ساخرين من كل هذا القبح والبؤس والتشوه، بدلا من أن نبكي أو نعتزل في بيوتنا أو ننتحر.

...............

إليكم: بانو بانو – من فيلم: شفيقة ومتولي
كلمات: صلاح جاهين
ألحان: كمال الطويل

أداء: سعاد حسني

video

Tuesday, June 3, 2008

في البحث عن متاهة واقعية

قبل القراءة:

1- الملاحظات هنا تتعلق بقراءاتي الشخصية، والتي لا تشكل موسوعة بحال، لذلك هي ليست حكما عاما، ولكني أعتبرها "ظاهرة" على الأقل من خلال خبرتي الشخصية.

2- الأمثلة هنا عشوائية تماما، ولا تخضع لأي ترتيب سوى ترتيب مجيئها في ذهني، فكرت في ترتيبها ولكني قررت أن هكذا أفضل، ف"العينة العشوائية" هي الأفضل بالنسبة لي في الحديث عن "ظاهرة" ما.

3- "الجمال"، "القبح"، والتعبيرات المشابهة، تتعلق بالمعايير الشكلية التقليدية، فيم عدا ما تم شرحه مفصلا.

......................

"كانت هناك فتاة طيبة وجميلة"، القصة تبدأ هكذا، الفتاة الطيبة لابد جميلة، والت ديزني يؤكد على ذلك طول الوقت، الساحرة الشريرة كانت جميلة، ولكن عندما ظهرت سنو وايت في رادار مرآتها، صارت أجمل بالتأكيد، سندريللا كانت أجمل من بنات الملكة الشريرة، جميلة الوحش اسمها "الجميلة"!، وغيرهن الكثيرات، كلهن طيبات، وكلهن جميلات، على هذا أنشأنا والت ديزني، منذ نعومة أظافرنا.


...................


كبرنا، وأصبحنا نقرأ لآخرين، ويبدو أن أثر والت ديزني قد امتد للآخرين، ريميديوس "الجميلة" كانت مثال الطهر والنقاء خلال حياتها القصيرة وسط صخب (مائة عام من العزلة)، فيرمينيا داثا بالطبع كانت سيدة الجميلات، ولا يمكننا تخيلها بأي شر، فتاة (بالأمس حلمت بك) لبهاء طاهر، كانت طيبة وجميلة، حتى عاهرة باولو كويللو في (11 دقيقة) كانت جميلة وتتخبط بأحلامها الطيبة في الحياة. الفتاة الطيبة ليست قبيحة، من الممكن أن تكون فقيرة مثل سندريللا، أو تفقد الكثير في الطريق مثل سكارلت (ذهب مع الريح)، ولكنها مع كل الظروف "القاسية" في الغالب، تحتفظ بجمالها الرباني، تحتفظ ب"بريقها" لو صح التعبير. الفتاة الجميلة ليست شريرة، هناك الفتاة الجميلة القاسية، التي تتسلى بتعذيب الرجال ثم تركهم بقسوة، ولكن هذه الفتاة لا يمكن اعتبارها "شريرة" بشكل واضح، ستلا (الآمال العظمى) لديكنز كانت فائقة السلطة والجمال، وفي النهاية لا نملك إلا الشفقة عليها حين تقول للعجوز: (أنت التي علمتني أن أكون بلا قلب!)، المسكينة ضحية، وطيبة بالتأكيد!.


Valerie Hobson- John Mills (1964) Great expectations film

................


نموذج الفتاة الطيبة الجميلة متناسق مثل موديل، قالب حلوى، شيء يشبه عروسة المولد، أو إناث الملائكة المبتسمات في سقف كنيسة. ولكنه يؤرقني إلى حد ما، على الأقل في ظل غياب فتاة طيبة قبيحة في المقابل، تصنع القليل من التوازن. بالطبع هناك علاقة بين كون الشخص طيبا وكونه جميلا، أنا ممن يؤمنون بأن لكل خصلة في شخص المرء، خط أو علامة ما على وجهه، ولهذا بالتحديد تؤرقني فكرة الفتاة الطيبة الجميلة، فليس هناك شخص "طيب" على الإطلاق، أو "جميل" هكذا، كل منا فيه الجيد والسيئ، بنسب متفاوتة، وعوامل لا حصر لها، وهذه معلومة تاريخية، لهذا من الصعب إيجاد شخص تخلو ملامحه من علامة شريرة ما، خطيئة أو ذنب لم يغفره لنفسه، جرح يقابل واحدا في قلبه، أو حتى تكشيرة ملازمة جراء حزن طويل، منذ النضج تترسب هذه الخبرات في الملامح، يصبح من الصعب معها الإجماع على "جمال" هذا الشخص بهذه البساطة. بعيدا عن ذلك، هناك الملامح التي نولد بها، والتي ليس لها كتالوجا، نموذجا كاملا نُشتق منه، لهذا تختلف معايير جمالها وقبحها باختلاف البلاد، الأزمنة، والأفراد، وهذه الملامح التي نولد بها، ليست متعلقة بأغوارنا النفسية قدر ما تتعلق بعوامل جنسية ووراثية، لهذا من غير المستحيل أن تولد فتاة بملامح قبيحة، وتصبح طيبة للغاية، بل إنه ممكن جدا، ربما تظهر عليها لاحقا ملامح "الطيبة"، فيقال عنها "شكلها طيب"، ولا يقال عنها "جميلة" مثلا.

أتساءل، في ظل هذه الملاحظات، عن إمكانية قراءة عمل ما عن فتاة طيبة وقبيحة، على أن لا يكون قبحها جزء من منظومة الظلم المتكالب عليها، مثل أن تكون فقيرة أيضا، ويتيمة ربما، ويتم نهبها واغتصابها وما إلى ذلك، أي أن لا يكون مصدرا للشفقة، ربما تكون غنية ومن عائلة مرموقة وتعيش طفولة مزدهرة، وفي نفس الوقت تكون قبيحة الملامح، ربما تكبر هذه الفتاة طيبة للغاية، فترتكب جريمة ما، وتضطر لإخفائها، أو تقوم بفعل يستنكره المجتمع، مثل أن تحمل في سن مبكرة، وتضطر لتربية طفلها وحدها، أو تعرضه للتبني، فتنمّي ملامحها خطوطا طيبة وهادئة، خطوطا شريرة، خطوطا ثائرة، وأخرى ضعيفة، كلها متداخلة، من دون أن تطغى أحدها على الأخرى، من دون تيمة للفتاة نعرفها بمجرد النظر إليها، أي أن تكون ملامحها معقدة بشكل غير مريح وغير مرعب في آن.

هل سيكون شعورا مملا قراءة شيئا مثل ذلك؟ أو أمرا سهلا كتابته؟، على العكس، أعتقد أن ذلك سيكون أكثر صعوبة، من الكتابة عن فتاة "طيبة وجميلة"، عن فتاة "متعجرفة"، أو أخرى "مسكينة".. وإلخ. ليس أسهل من تحديد التيمة الرئيسية للشخصية، ومحورة العمل حولها، فنتابع تطورها من خلال الأحداث، ليس أسهل من تثبيت العوامل كلها، ومتابعة المتغير حتى النهاية، أعتقد أن الأصعب سيكون اللعب بكل العوامل، أن تكون كل أطراف المعادلة متغيرة، وريثما يظن القارئ ثبات عامل ما، ويبدأ رسم ملامح شخصيته، يظهر ما يلعب بثوابته، ويشكك فيها، فيعيد رسم الشخصية، ثم يطرأ جديد من حيث لا يتوقع، وهكذا.. الأمر أقرب للمتاهة؟ تماما، أي أنه أقرب لشخصيات الوا قع عن شخصيات والت ديزني، أي سيكون أكثر إثارة وأكثر واقعية في آن.

أتوق لقراءة عمل مثل هذا.

...................

Tuesday, May 27, 2008

And I lost her.. again!

"(Chuck walking away from Kelly's house, getting into his car, driving away to the main street, when Kelly appears at the front door, starts running in the rain after the car, and calling loudly on him.)
Kelly: Chuck...Chuck!
(Chuck stops the car and gets down, Kelly reaches him and they hug passionately.)
Kelly: Chuck! Oh! I knew you're alive, but everyone told me not to say that!.. Chuck, baby.. I love you! you're the love of my life!
Chuck: I love you too, Kelly!
(Chuck opens the car door, and Kelly gets in, he turns to the other door and gets in too.)
(Kelly takes her breaths, and they look at each other.)
Kelly: Chuck..
Chuck: You have to go home!
Kelly: Yea!
(And Chuck drives her back to the front door of her house, and takes off alone.)"
............................

(Chuck Noland) is Tom Hanks, (Kelly Frears) is Helen Hunt, and the scent is from the famous movie (Cast Away), which I never get bored of!. To cut a long story short, it's about a dedicated-to-work active man (Chuck), who often neglects his girl friend (Kelly), but on Christmas eve, he proposes marriage to her right before embarking on a large assignment. On the assignment, a plane crash strands Chuck on a remote island, and his fast-paced life is slowed to a crawl, as he is miles removed from any human contact. Forced to the new conditions, with very limited options, he lives on his distant island for about 4 years.


By their end, he makes himself a raft to ride, and let it be swept by the sea. After sailing for an unknown period of time, he is rescued by a passing ship, and finally returns home.
Everyone celebrates Chuck's survival, and can't believe it in the same time. Chuck goes to Kelly's home, where he finds out that she got married to his dentist and had a child girl with him, after having Chuck's funeral!. When he's about setting off, the previous scent takes place. Chuck drives to his close friend's home, having an ice cup of beer in front of the hearth, holding tears in his eyes, he gives this monologue:
"I once lost all hope in return, I knew I lost Kelly, I knew I will die on that island, and I had no choice, except to choose when to die, and how. I tied a rope to a tree, at the top of a mountain, to hang myself. And.. I had to test it! You know me!. The plummet broke the tree limb, and my try failed.. I had power over nothing, not even my own death!. When that happened, it came this feeling like a warm blanket, that I had to live, to keep breathing. All my logic said I had no chance, I would never see this place again. But this logic proved it was wrong at the end, cause one day, the sun rose, and the tide brought me a sail, which carried me home. And here I am, talking to you, there's ice in my cup, and I lost her.. again."
A pause…

"And now, I know what I have to do, I have to keep breathing, cause tomorrow the sun will rise, and who knows what the tide may bring?."

..............................

I loved those two scents the most. One can hear life laughing in them!. Two people cry &hug in great life-long love, then he drives her to her husband and kid!. A person who passes a massive experience to lose his fast easy life and end up alone with no choices but how to die, comes home by a miracle, to lose his love again!. It's so unfair. Exactly!. I wouldn't be very impressed by the movie if it ended up by the usual fair ending: "and they lived happily ever after". The special about it, is showing how unfair life could be, which is true!, how rude, and how it gives no shit for us some times, and keeps giving one slap after another!. But eventually, we have to keep breathing!, cause the same wind which threw Chuck miles away from humanity, brought him a sail one morning, not a fairy did that, the same wind!. Life doesn't change, but some times it offers us little chances, which we could easily miss, and could more difficultly, make a "raft" out of it, so "wind" may carry us home!.

..................................

Updates:

The parts of scenario I used in this post is from my own remembering, cause the script I found everywhere on the internet, was different in those parts from the movie I saw on the Egyptian TV (Nile Sat, to be specific), and I don't know how!. And about the synopsis, it's a mix of my own writing, and the plot synopsis here.

Thanks to Mostafa, for correcting me some parts, I didn't fully remember, and thanks to Soha, for reminding me to mention the external sources. :)

Sunday, May 25, 2008

اعتذار واجب

أعتذر عن نشر البوست السابق، الذي كان يحمل عنوان "آلام العقل، بين الصراخ والضحك"، لأني بعد تنبيه وتفكير لاحظت كونه يحتوي على قدر كبير من الإهانة لأشخاص لا ذنب لهم، وإهانة لي نفسي بمناقضة مبادئي الشخصية. هكذا قررت إلغائه والاعتراف بخطأ كتابته. أستطيع أن أدعي أني لم أفعل ذلك بسوء نية، ولكن هذا ليس عذرا، ففي النهاية، لا يهم قارئ المدونة نية المدون بالتحديد، فليست هي ما يقرأه على كل الأحوال.
شكرا هبة، سها، وأحمد
، ولا تقطعوا الزيارة من فضلكم

ريهام رجب

Monday, May 12, 2008

في انتظار احتفال مدوي


الجغرافيا مادة عظيمة. الجغرافيا في الكتب الدراسية المصرية مادة ذات وقار وجلال، تشبه اللغة اللاتينية، إذ لا تخضع تقريبا لأي تغيير. إسرائيل في كتب الجغرافيا لا توجد. هناك فقط فلسطين بحدود ما قبل 48. ليست هناك أرض محتلة، وخريطة الوطن العربي لا تتغير، لأن كتب الجغرافيا هادئة منذ قرون رغم أنف المعارك الطاحنة التي تدور في كتب التاريخ جارتها على المكتب. شتاء الجغرافيا ثلاثة شهور، وصيفها ثلاثة شهور، لهذا فنحن جغرافيًا في الربيع، والصيف جغرافيًا يأتي الشهر القادم، وال"ستون مليون" من السكان الذين لديهم رأي آخر، يخبطوا دماغهم في الحيط.
جو مصر في كتب الجغرافيا من قديم الأزل "حار جاف صيفا، دفيء ممطر شتاءً"، ولا أعرف بالتحديد لماذا كان دفيئا وليس دافئا وحسب، هل كان حقا بهذه الدرجة من الدفء؟ أتذكر أنه كان باردا بعض الشيء، أتذكر أنه كان باردا لعدد أكبر من الأيام بالمقارنة بشتاء اليوم. وهل كان ممطرا؟ هو كان يمطر على فترات متباعدة، ولكنه لم يكن ممطرا، مجموع الأيام الممطرة في الشتاء لم يكن يتجاوز الأسبوع إلى العشرة أيام. والشتاء هو فصل كما تعلمون، أي أنه في حدود اثني عشر أسبوعا، والأسبوع إلى العشرة أيام ليست بالمدة الطويلة، على الأقل بالمقارنة بالبلاد الممطرة. لهذا لم أصدق كتب الجغرافيا بخصوص الشتاء، كما لم أصدقها بخصوص أشياء عديدة، ولكني صدقتها بخصوص الصيف.



كان الصيف حارا وكان جافا، الرطوبة دخلت على صيف مصر قريبا، بالتأكيد بعد تحولها لجمهورية، وبعد ثورة 52، وبعد وضع قصور الباشاوات في أملاك الدولة، وبعد تحويل قصر الباشا "الحوياتي"، الواقع في عابدين أمام مدرسة الليسيه الفرنسية، إلى مدرسة ثانوية للبنات بنفس الاسم، ولا يسألني أحد من هو "الحوياتي" من فضلكم، لأن أحدا لم يكن يعرفه على مدى ثلاث سنوات من الأسئلة الدائمة لخريجة المدرسة التي تحدثكم، ولكن أفضل الإجابات كانت أنه أحد الباشاوات الذين صادرت الثورة قصورهم وحولتها لمنشآت حكومية. على كل، بالتأكيد أن الرطوبة دخلت على صيف مصر بعد وضع مناهج الجغرافيا للثانوية العامة المصرية، ولهذا فأنا أصدقهم بخصوص الصيف. وجو الصيف كان حارا بالمفهوم التقليدي للحر، المفهوم المحتمل، المفهوم "اللطيف" أحيانا كثيرة، على الأقل كان الصيف يبدأ -كما كانوا يقولون- الشهر القادم، وليس منذ ثلاثة أشهر كما حدث هذه السنة، ومنذ بضع سنوات كذلك.
أمر خانق بالنسبة لكثيرين أن يستمر الصيف حوالي ستة أشهر، ويختفي الربيع، ويختزل الشتاء في شهر أو شهر ونصف، ويأخذ الخريف مساحته من باقي السنة. أمر رائع بالنسبة لي أن يستمر الصيف ستة أشهر، أمر عظيم، لا يضاهيه سوى أمنيتي وأنا طفلة بأن أعيش في أحد القطبين لأستمتع بشمس مستمرة ستة أشهر، ثم أسافر للقطب الآخر في النصف الثاني من العام!. أن يصبح الصيف ستة أشهر هو حلم يرى الحقيقة، وبدون أن أركب طائرة واحدة. أية روعة!. على العموم، وفي خضم تغزلي في الصيف، لا بد أن أعترف من باب المصداقية، أني كنت أحب أكثر جو الصيف في كتب الجغرافيا، جو الصيف التقليدي الجاف، قبل أن تدخل عليه الرطوبة وبعض درجات الحرارة غير الآدمية. وأنا في ذلك أشبه محبي الشتاء التقليديين، ولنفس السبب التقليدي أيضا: لأنه أكثر احتمالا.
ولكني –والمصداقية تدفعني لقول ذلك أيضا- لا أخفي استمتاعي هذه السنة تحديدا ببعض الأيام التي مرت، وتم وصفها بغير المحتملة، حين كان المرء يتنفس صهدا ويشع صهدا ويسبح في العرق. كان ذلك بالتأكيد أقل احتمالا بكثير، لكن متعة خفية كانت تراودني، وهي متعلقة بالتحديد بالاحتمال الأقل، والألم الأكبر. فنانو رسم الوشوم يتم غالبا التعامل معهم بسخرية، وفوقية، والاتهامات بالجنون. أنا شخصيا أتعامل معهم ببعض الدونية، هم بالنسبة لي أعظم من أن يفهمهم المتهكمون أصحاب التعليقات الجاهزة. في كل مرة يواجَه أحدهم بالتعليق الأزلي: "ولكن ذلك مؤلما جدا"، يرد: "نعم، لهذا هو ممتع جدا". خلط المتعة بالألم فكرة ليست جديدة على الإطلاق، ولكنها تظل جميلة. أقصى الألم وأقصى المتعة متقاربان. كلاهما يخرج عن الزمن لحظة، وعن المكان، كلاهما يحقق أمرا نادرا لا يحدث يوميا، وكلاهما يأتي من الآخر ويؤدي إليه، ويعزل جانبا أي شيء آخر. لا يفكر راسم الوشم في المخاطرة بقتل خلايا جسده، كما لا أفكر أنا في المخاطرة بالمشي تحت شمس غير آدمية، ولا يفكر المغرم بالشتاء في الالتهاب الرئوي وهو يتمشى في المطر. يفكر كل في المتعة وحسب، المتعة بالألم، المتعة القادمة من الألم والمؤدية بالضرورة إليه، إذ يشبهان الدوائر المتداخلة، حتى أننا لو أدرناها بسرعة في اللحظة المعنية، لا نرى الحدود الفاصلة بينهما، لا يرى الشخص المستمتع الحدود الفاصلة، بينما يقف المتهكمون منا خارج الدائرة، يسخرون من جنونه.
الصيف يعني ملابس أخف، ومياها أكثر، ونوما أقل، وجسدا أنشط، وعقلا أكثر تفتحا، ونهارا أطول، وشمسا أكثر جلالا، باختصار يعني فصلي المفضل.

الصيف يبدأ جغرافيًا الشهر القادم، وذلك يستدعي احتفالا، أتأمل قليلا، وأفكر بأن أفضل احتفال ممكن، أن يأتي الصيف في بدايته الجغرافية بيوم مثل هؤلاء العظماء، إذ يتنفس المرء صهدا ويشع صهدا، سيكون ذلك في قمة المتعة، وقمة الاحتفال، وسأسمع قهقهة كتب الجغرافيا في الظلام: "هل تعتقدون أن الفائت صيفا؟ أتسخرون مني؟ ها هو الصيف الحق أيها الجهلة الأوغاد! ههههههع هههههههع."

الجغرافيا مادة عظيمة، الجغرافيا مادتي الأدبية المفضلة بلا منازع، ومجال تخصصي بكل تأكيد لو كنت درست أدبي، والحمد لله، لم أدرس أدبي.