content="Word.Document">
مر أكثر من عام منذ آخر مرة كتبت فيها في هذه المدونة. زمن طويل. تغير فيه الكثير. على كل حال، لست بصدد كتابة مختصر لفترة الغياب تلك. ولست حتى بصدد كتابة شيء جديد. أضع بين أيديكم مقالة نقدية قصيرة كتبتها منذ عام تقريبا، ولا أعرف بالتحديد السبب الذي لم أنشرها لأجله سابقا، ربما الانشغال أو النسيان أو أي شيء، لا يهم. المقالة عن رواية "بابل، مفتاح العالم" للروائي "نائل الطوخي".
-------------------------------
بابل.. البحث في جذور الواقع
عن الرمال المبتلة أسفل أصداف الكتابة
أول مرة أقرأ فيها شيئا من رواية (بابل، مفتاح العالم) للكاتب/ نائل الطوخي، ولم أكن أعرف عنها الكثير، كان فصلا منشورا في موقع "أوكسجين"، يتحدث عن حلم (نائل) الذي يطارده، وينشره على الانترنت. إلى أن وصلت لتعليق الموقع في آخر سطر: (فصل من رواية بعنوان "بابل، مفتاح العالم" تصدر قريبا للكاتب)، لم أفهم بالتحديد ما إذا كان الجزء المنشور جزءا فعليا من الرواية، أم حديثا ل(نائل) الكاتب عن الرواية، باعتبارها الحلم المنشور.
في البداية، لم أكن أنوي الكتابة عن (بابل). نشر عن (بابل) العديد من المقالات والدراسات النقدية، التي توفيها حقها من النقد، وتناقش كل صغيرة وكبيرة بها، ولكن في أغلب ما قرأت، كان يغلب حس ما بأن الرواية فانتازية أو مغايرة للواقع، حتى إن البعض غير القليل وصفها بأنها امتداد ما لفانتازيا (ليلى أنطون) –الرواية السابقة للكاتب-. قرأت (بابل) قبل (ليلى أنطون)، ولكني ما زلت أعارض هذا الرأي. ربما الرابط الوحيد بين الروايتين في رأيي هو هذا الحس الساخر الذي يتميز به الكاتب، ويقلب فيه "الترابيزة" على الثابت والمتوقع والمنطقي، الحس المربك الذي ينتاب القارئ، ويجعله يشعر كأنما في متاهة، حتى لأنه "لا يخرج من الرواية أبدا كما دخلها"، ولكن الطريق الذي أخذته كل من الروايتين في ذلك، كان مختلفا، ربما معاكسا، وربما الضد تماما.
(ليلى أنطون) كانت فانتازيا، في أحداثها وشخصياتها وحبكتها وبنائها الفني، (ليلى أنطون) تقاطعت مع الواقع مرتين أو ثلاثة، في تواريخ معينة وأسماء أماكن معينة، كانت تبني وتعود لتهدم ما تبنيه، حتى انتهينا عند نقطة الصفر، عند الصفحة البيضاء، عند العجز عن كتابة حرف عن (ليلى أنطون). بهذا يمكننا اعتبار (ليلى أنطون) فانتازيا مغايرة للواقع، لا تتصل به بشكل حقيقي، متاهة مغلقة تماما تملك كل مفاتيحها الرواية ذاتها، وتصيب بلعنتها كل من يحاول الاقتراب.
عندما بدأت القراءة في (بابل)، شعرت أني بصدد سيرة ذاتية من نوع ما، مع تشابه اسمي الكاتب والراوي، وتسلسل الأحداث بانسيابية لن تكون غريبة على حياة الكاتب، أو على أي شخصية واقعية.
(بابل) تطرح السؤال الوجودي "أين الأصل؟"، وتلعب باحتمالات الإجابة، تلعب ب"الأصل" كالصلصال، وتشتق منه وجوه الشخصيات، بسيناريوهات معينة. الأصل الضائع طول الوقت، يوازي برج بابل غير مكتمل البناء، ويوازي القاموس المفقود. لو تركنا الرواية قليلا، ونظرنا للسؤال نفسه نظرة واقعية، لوجدناه الأكثر أهمية وشغلا لعقول الناس على مر التاريخ. الكل يبحث عن أصل ما، في جذور عائلية ما، أو دين ما، أو فلسفة ما، أو بالتصديق على أساطير ما، أحد منا لم يعشها، أحد في (بابل) لم يشهد الأصل الذي اشتقت منه وجوه كل الشخصيات، البرج لا يكتمل في الواقع أبدا، والقاموس يختفي في أمس الحاجة إليه. هكذا، أعتقد أن (بابل) تبحث في مسألة في غاية الواقعية، وتطرح الأسئلة الأكثر شعبية والأصعب كذلك في عالمنا.
شخصيات (بابل) لا تنقسم بين الخير والشر كالصراع التقليدي، بل إنها تقف على خط واحد، وتنظر في اتجاه واحد، اتجاه البحث عن الأصل، والتشبث بكل صلة به. (نائل) يبحث عن شبيهه طول الوقت، (سمية) تشوه وجه (مراد) حتى لا يتزوج بغيرها ويلطخ دماء العائلة، و(مراد) يقتل (سمية) وطفلها الغريب للحفاظ على نقاء الأصل.
الزمن يدور بطبيعية، يترك فراغات يعود لملأها لإحكام البناء، والأماكن كلها موجودة في الواقع.
لغة الرواية متميزة، الكاتب يلعب بها طول الوقت، ينتقل بين الفصحى البليغة في رصد الأحداث، والعامية شديدة التلقائية في الحوار، وفي المنتصف يحدث تداخلات ساخرة باحتراف متميز، ولكن في العموم اللغة بسيطة، وتنساب بواقعية شديدة، لدرجة تسببت لي في اللبس الذي تحدثت عنه في أول فقرة.
(بابل) تربك القارئ إذ تطرح أسئلة بلا إجابات، بل بالإجابات الأكثر قسوة، هي تبحث عن الأصل، وتنتهي باختفائه، تنتهي باختزال آخر ملامحه في وجه طفل مظلم المصير، داخل حجرة محكمة الإغلاق، و"المفتاح" مفقود، رغم كل محاولات البحث على مر الأحداث، ف"المفتاح" مفقود، ولا أحد في النهاية يحصل على إجابة مرضية، لا أحد يطمئن، مثل كل الباحثين عن "الأصل" في كل مكان في العالم.
(نائل) يبدأ الرواية بجملة: (كل حياتي عبارة عن حلم واحد طويل، يتقطع ولكن لا تزول أسبابه).
"الحلم" هو الشيء الغريب، هو الشيء الذي لا يحدث في الواقع، هو الواقع ملعوبا فيه، أشخاص في أماكن لا ينتمون لها، أحداث بدون ترتيب منطقي، علاقات غريبة، وأبعاد غير واقعية، إلخ. ومع ذلك، ف"الحلم" في تفسير سيكولوجي ما، هو الحقيقة الأقل تشوها، الحقيقة النقية في العقل الباطن بكل المحاسن والمساوئ، بدون تجميل ولا تفسير، الصور الغريبة التي تقفز أمام العينين، لصراعات لا تتوقف في قاع العقل، وبهذا يمكننا القول بأن الواقع هو الحلم ملعوبا فيه، أو أن الحلم هو قاع الواقع، هو الواقع في صورته النقية الوحشية، الأقل منطقية والأكثر قسوة، الرمل المبلل الذي يرقد ساكنا طول الوقت تحت الصدف، حتى يثور في لحظة، فيعكر صفو الماء، وتضطرب الحياة.
(بابل) ليست فانتازيا، هي الرمل المبلل الراقد في قيعان عقولنا، وبإثارته نرتبك، وتضطرب الحياة.
-----------------------
13 يونيو 2008






